أبي طالب المكي

138

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وأنواره وإرادته ، وإنه ذو الملك والملكوت والعزّة والجبروت ، له الخلق والأمر والسلطان والقهر ، يحكم بأمره في خلقه وملكه ما شاء كيف شاء ، لا معقب لحكمه ولا مشيئة لعبد دون مشيئته ، إن شاء شيئا كان ولا يكون إلا ما شاء ، لا حول لعبد عن معصيته إلا برحمته ، ولا قوة لعبد على طاعته إلا بمحبته ، وهو واحد في جميع ذلك ، لا شريك له ولا معين في شيء من ذلك ، ولا يلزمه إثبات الوعيد بل المشيئة إليه في العفو ، ولا يجب عليه في الأحكام ما أجرى علينا ، ولا يختبر بالأفعال ولا يشار بالمقال . حكيم عادل بحكمة وعدل ، هما صفتاه لا يشبه حكمته بحكمة خلقه ، ولا يقاس عدله بعدل عباده ، ولا يلزمه من الأحكام ما ألزمهم ، ولا يعود عليه من الأسماء المذمومة كما يعود عليهم . قد جاوز العقول وفات الأفهام والأوهام والعقول ، هو كما وصف نفسه وفوق ما وصفه خلقه ، نصفه بما ثبتت به الرواية وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه ليس كمثله شيء في كل شيء بإثبات الأسماء والصفات ، ونفي التمثيل والأدوات . وأنه سبحانه وتعالى لم يزل موجودا بصفاته ، كلها لم تزل له ، وإنّ صفاته قائمة به لم تزل كذلك ، ولا يزال بلا نهاية ولا غاية ولا تكييف ولا تشبيه ولا تثنية ، بل بتوحيد هو متوحد به وتفريد هو منفرد به ، لا يجري عليه القياس ولا يمثل بالناس ، ولا ينعت بجنس ولا يلمس بحس ولا بجنس من شيء ، ولا يزدوج إلى شيء . وإنّ ما سوى أسمائه وصفاته وأنواره وكلامه من الملك والملكوت محدث كله ومظهر . كان بعد أن لم يكن ولم يكن قديما ولا أول بل كان بأوقات محدثة وأزمان مؤقتة . والله تعالى هو الأزلي الذي لم يزل ، الأبدي الذي لم يحل ، القيوم بقيومية هي صفته ، الديموم بديمومية هي نعته ، أوّل بلا أوّل ولا عن أوّل ، آخر لا إلى آخر بكينونة هي حقيقته . أحد صمد لم يلد وبمعناه لم يولد ، ومعنى ذلك لم يتولد هو من شيء ولم يتولد منه شيء ، ومثل ذلك لم يخلق من ذاته شيء ، كما لم تخلق ذاته من شيء ، سبحانه وتعالى عمّا يقول الملحدون من ذلك علوّا كبيرا . ذكر فرض شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى الكبير المتعال : * ( وإِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ من كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ به ولَتَنْصُرُنَّهُ ) * [ آل عمران : 81 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله ) * [ النساء : 80 ] . وقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله ) * [ الفتح : 10 ] . ففرض شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم أن تشهد أنّ محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خاتم الأنبياء لا نبي بعده ، وكتابه خاتم الكتب لا كتاب بعده ، وهو مهيمن على كل كتاب ، ومصدق لما سلف من الكتب قبله . وأن شريعته ناسخة للشرائع ،